لم يمر العراق بفترة امنة مثل تلك التي تواجد فيها البابا فرنسيس الأول في البلاد , لا انفجارات , ولا اغتيالات , ولا تظاهرات , ولا مؤتمرات صحفية لرجالات ونساء العملية السياسية وهم يمزقون ويفضحون بعضهم بعضا .
ربما هذه الفترة تذكرنا باخرى شبيهة لها , حين زار الرئيس الإيراني السابق احمدي نجاد بغداد في زيارة بروتوكولية استغرقت ثلاثة ايام , هدأت بغداد حينها , ولم تشهد المحافظات الأخرى أي تصعيد امني.
لا يمكن ان يكون بابا الفاتيكان هو المحرك الأساس للتصعيد الأمني في العراق , لا المخابرات الإيطالية المرافقة له , ولا يمكن ان يكون هناك طرف خارجي يمارس التصعيد , وأجله احتراما بعقيدته المسيحية وضرورة احترام البابا, انهم بلا شك الاخوة المتواجدون بين ظهرانينا والذين اعلنوا جهارا تعليق نشاطاتهم “الجهادية” طيلة فترة تواجد البابا في العراق.
بل ان البعض منهم أشار الى ان عملياتهم سيتم تعليقها وانهم يحترمون ضيوف العراق , ولا يتشبهون بالأمريكان الذين غدروا بضيوف العراق في إشارة واضحة الى اغتيال سليماني مطلع العام الماضي.
ليس هذا فحسب , بل ان تسريبات إخبارية على مستوى العصفورة ابلغتنا ان مندوبا عن الكاظمي اجتمع بأصحاب الصواريخ والسلاح المنفلت بعلم الحكومة , واخذ منهم “عطوة” عشائرية بنكهة سياسية .
وبذلك اثبت البابا للعراقيين ما يلي :
ان الحكومة من الممكن ان تعقد صفقات مع المتآمرين عليها وعلى المصالح الأجنبية في البلاد بغض النظر عن كون استهدافها مقاومة ام حراك جهادي او تخريب.
الحكومات المحلية في بلادنا من الممكن ان تبني وتكسي الشوارع بالأسفلت وتعمر المدن , ومن الممكن ان تزهو مدننا دون تذمر من موازنة علي علاوي وتقشف الكاظمي , وتشكي هذه الحكومات من عدم وصول تخصيصات مالية , فقد تحركت المحافظات على قدم وساق كي تبني وتعمر وتجمل من الشوارع والساحات احتفاء بقدوم البابا , الامر الذي دفع كثير من العراقيين للتهكم بطلب تأجيل زيارة البابا الى ان تكتمل عمليات التبليط والتجميل وإصلاح الساحات والشوارع .
لم تتوحد الكتل السياسية في تواجدها بمكان واحد وتستمع لرجل واحد مثلما اجتمعت في قصر السلام عند الرئيس برهم صالح , اتفقوا جميعا على ان فرنسيس الارجنتيني رجل سلام ويفترض ان يحظى بكل ما يمكنهم ان يقدموه له من احترام ونقل صورة مدنية عالية عن العراق وطبقته السياسية .
هذا الامر لم ينطل على البابا حيث شاكسهم عيانا وطلب منهم ان يتركوا ممارسة الفساد ويعدلوا من سلوكهم السلطوي وان لا يستغلوا السلطة.
وحدها الموصل تباهت بخرابها , وأشارت الى ضعف التوجه الحكومي لتعميرها على الرغم من مرور اربع سنوات من تحريرها , فاحتفت بالبابا وسط الركام , وتلك “حسجة” مصلاوية حيث ان الانبار تدمرت بعد الموصل لكنها دخلت على خط التعمير بشكل مثير جدا جعل منها قضية رأي عام لفضح فشل الحكومات المحلية “المجاهدة” في محافظات لم تطأها قدم الإرهاب.
وفاجأنا الجميع من المعممين والافندية في العملية السياسية ان العراق فيه خليط من المكونات وهي تحظى باحترام عادل , وتفاجأنا بأن المسيحين في العراق مكون اصيل من مكونات العراق , ولهم الحق بأن يعيشوا بيننا .. حيث اطل علينا الكثير من القادة واشباه القادة وأصحاب القادة ورفاق القادة وهم يتحدثون بلسان وطني ربما سيبتلعونه بعد ان يصل البابا الى روما.